فخر الدين الرازي
13
النبوات وما يتعلق بها
وقد وردت آيات متشابهة . مثل : « اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ ، وَانْشَقَّ الْقَمَرُ » [ القمر 1 ] فان الانشقاق على الحقيقة : يدل على معجزة مبصرة ، والانشقاق على المجاز يدل على وضوح أمر الاسلام ونبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وضوحا كوضوح نور القمر في ظلام الليل . ولأن قوله : « وَانْشَقَّ الْقَمَرُ » يحتمل هذين المعنيين ، صار انشقاق القمر متشابها غير محكم . والراسخون في العلم من العلماء يردون المتشابه إلى المحكم . وحيث ن المحكم ينفى المعجزة الحسية ، والمتفق مع النفي هو وضوح أمر الاسلام والنبوة ، يكون مراد اللّه تعالى من الانشقاق هو وضوح أمر الاسلام والنبوة وعلى ذلك فليس من معجزات حسية للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وانما له القرآن وحده دليلا على اثبات النبوة . والعلماء الذين لم يفطنوا إلى المحكم والمتشابه . أرادوا أن يجمعوا بين النفي وبين الاثبات بقولهم : ليس المنع من عموم المعجزات الحسية ، بل المنع من معجزات خاصة ، اقترحتها قريش ، منها : قلب جبل الصفا : ذهبا وهؤلاء العلماء لبسوا بمستنيرين ، فان المعجزات التي اقترحتها قريش ذكرها اللّه في القرآن ، ورد عليهم بنفي المقترح من المعجزات الحسية وغير المقترح منها . قال تعالى : « وَقالُوا : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً ، أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ ، فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً ، أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ - كَما زَعَمْتَ - عَلَيْنا كِسَفاً ، أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا ، أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي ، السَّماءِ - وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ - قُلْ : سُبْحانَ رَبِّي . هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا ؟ [ الاسراء 90 - 93 ] ولقد حملتهم غفلتهم على تناقض أفكارهم في معنى المعجز . فقد اشترطوا أن المعجز هو للتحدى ، والتحدي هو لاثبات العجز . فمن ذا الّذي كان واقفا ليشاهد القمر ، وهو ينشق فلقتين ، حتى يثبت التحدي ؟ ومن ذا الّذي رأى النبي صلى اللّه عليه وسلم نيلة الاسراء حتى يثبت التحدي ؟ لقد نسي هؤلاء : أن نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم للعرب وللعالم . وإذا كانت نبوته للعرب وللعالم ، فان الخبر القرآني كاف في التحدي على طول الزمان وليست الرؤية هي المثبتة للنبوة . والدليل على أن الخبر كاف : هو أن الأحاديث النبوية المثبتة للاسراء تبتدئ بعبارات تقول أن الاسراء كان في حالة للنبي